احذروا كثرة الخبث!!
د. أحمد حمود الجسار
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله.
أما بعد، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها فزعا يقول: (لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب. فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه) وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها، فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: (نعم إذا كثر الخبث).
نعم. . إذا كثر الخبث فلا يأمن الناس الهلاك وإن كان فيهم صالحون، أما الخبث: فهو الخبيث من الأعمال، أي التي لا يرضاها الله عز وجل فتوجب غضبه والعياذ بالله.
وقد تكثر الأعمال السيئة بين المسلمين -أي يكثر الخبث- فيكون ذلك مؤذنا بالهلاك، عياذا بالله من ذلك.
إذاً لا بد من دعوة إلى الخير والفضائل، والنهي عن الشر والرذائل، وهو ما تميزت به هذه الأمة المباركة { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله } (آل عمران 110).
إنها الأمة الإسلامية التي شهد الله لها بأنها خير الأمم، وإنما حازت قصب السبق إلى الخيرات بفضل الله تعالى عليها أولاً، ثم بنبيها صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم، بعثه الله بشرع عظيم كامل، لم يعطه نبي قبله. فالعمل على منهاجه، واتباع سبيله، يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال اتباع غيره مقامه.
فهذه الأمة وارثة رسالة عظيمة أنزلها الله لتخرج الناس من الظلمات إلى النور: من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، من ظلمات الجهل بالله إلى نور العلم به، من ظلمات المعاصي والابتداع إلى نور الطاعة والاتباع.
فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات، وتسابق إلى هذه الخيرات، دخل معهم في نيل المكرمات، واستحق المدح الإلهي.
ولذلك روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقرأ هذه الآية: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} ويقول: "من سره أن يكون من هذه الأمة فليؤد شرط الله فيها".
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: المهمة التي ابتعث الله لها النبيين أجمعين، لو تركت وأهملت لفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، وخربت البلاد، وهلك العباد. لماذا؟ لأن داعي المنكر قائم إلى قيام الساعة! ألم يُنظِرِ الله إبليس، وهو لم يفتأ يدعو الناس إلى معصية الله، ويزين لهم الباطل ليكونوا معه من أصحاب السعير، نعوذ بالله منه ومن حزبه. قال الله تعالى: {قال ربي أنظرني إلى يوم يبعثون، قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم}. عندما كرم الله عز وجل أبانا آدم عليه السلام، وأسجد له ملائكته، أبى إبليس طاعة الله {قال أأسجد لمن خلقت طينا، قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتنِ إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا. قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا، واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا} (الإسراء 61-65). عبادي، المؤمنين، المخلصين، القائمين بأمر الله. ومن أعظم أمر الله أنهم يغارون عندما تنتهك محارم الله، فيسعون لتغيير ذلك، ويبذلون وسعهم في ذلك، بل جعلوا حياتهم وقفا على ذلك {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد} (البقرة 207)، يبيع نفسه في رضا الله تبارك وتعالى، همه إلزام نفسه وغيره طاعة الله، وإذا رأى منكراً أهمه إزالته أو على الأقل تخفيفه، وكله ابتغاء مرضاة الله. هذا وأمثاله -جعلنا الله منهم- هم المصلحون الذين يحفظ الله بهم دينه، وتُحفظ بهم الأمة من الهلاك. نعم، عندما تكون سيما الأمة الإصلاح فإنها تُعصم بإذن الله من الهلاك {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} (هود 117). فلا يكفي وجود الصالحين مع كثرة الخبث، كما مر في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، إنما لا بد من كثرة وجود المصلحين حتى يقال أن أهل القرية مصلحون. "أنهلك وفينا الصالحون؟" قال: (نعم إذا كثر الخبث).
فلنعمل جميعاً على إزالة المنكرات، كل على قدر استطاعته، ولا يعفى من ذلك أحد. والأمر يهم الجميع! لأن العذاب إذا جاء عم، والعياذ بالله. ألا ترون أطفالا تُقتل ولما تكتب عليهم سيئة واحدة؟!
فلنشكر نعم الله علينا. فلنشكر نعمة رغد العيش، نعمة الأولاد، نعمة الأمن. ألم يمكن لنا ربنا بلدا آمناً ويتخطف الناس من حولنا؟ لنستعذ بالله أن نكون ممن قال فيهم {أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون} (المؤمنون 55 – 56).
لير الله منا أننا أهل لهذه النعم، ليبارك لنا فيها. لنشكر نعم الله قولا وعملا، ببذل الوسع في الطاعات وإزالة المنكرات. أما إذا تولى الناس عن ذلك، وفشت فيهم المعاصي فاستحقوا عقاب الله فما أهونهم عليه. ما أهون الخلق على الله إن هم عصوه فاستحقوا عقابه {وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } (محمد 38).
إذا لا بد من تغيير المنكرات، والدعوة إلى المعروف والطاعات. ألا ترون الربا المنتشر، بل ويدعى إليه جهاراً في الإعلانات، والله تعالى يقول {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} (البقرة 278- 279). ومن ذا الذي يقوى على حرب الله؟؟ كم من الناس ينقبض قلبه إذا مر على مكان يُبارز الله فيه بهذه المعصية، فضلا عن أن يحاول تغيير هذا المنكر العظيم؟ وهل بعد انتفاء إنكار القلب إيمان؟
وقل مثل ذلك في غيرها من المنكرات: من تعطيل لحدود الله، وانتشار للتبرج والسفور، والاختلاط المحرم، وانتشار صور الكاسيات العاريات في الشوارع والإعلانات، بل هناك من يدعو إلى إباحة الخمور والفجور!
وتجرأ البعض على شعائر الدين وسنن سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، فأخذ يستهزأ بها، ولا يؤخذ على يده! أليست اللحية ورفع الإزار عن الكعبين للرجال من هدي النبي صلى الله عليه وسلم القائل في المتفق عليه: (اعفوا اللحى). (وفروا اللحى). (أوفوا اللحى). والقائل كما عند البخاري: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار). والنبي صلى الله عليه وسلم الذي جاءنا بالتوحيد والصلاة والصيام والزكاة والحج، هو الذي أمرنا بذلك. والاستهزاء بسنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل هو استهزاء بالله -والعياذ بالله-.
فالنبي صلى الله عليه وسلم هو رسول الله، المبلغ عن الله، الذي لا ينطق عن الهوى. والله تعالى يقول: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب} (الحشر 8). وقد قال الله تعالى في قوم استهزؤوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} (التوبة 65–66).
ومن رحمة الرحمن سبحانه أنه فتح باب التوبة لطالبيها بصدق فقال: {إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين} (التوبة 66). لكن يُخشى على من استهزأ بسنة حبيب الله أن لا يوفق إلى التوبة! نعوذ بالله من التردي والخذلان.
ولكن كيف نغير المنكر؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم مبينا مراتب التغيير: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) (رواه مسلم). فالمرحلة الأولى: التغيير باليد، وهذا لولي أمر المسلميــن في الأمور العامة، ولكل ولي أمر فيمن هم تحت ولايته، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. المرحلة الثانية: النهي باللسان. والمرحلة الثالثة والأخيرة: الإنكار بالقلب، بكراهة المنكر وبغضه، وهذا الذي لا يعذر فيه أحد.
وقد بين العلماء -غفر الله لنا ولهم ولوالدينا ووالديهم- شروط تغيير المنكر وهي ثلاثة أيضاً. أولاً: أن يكون عالما بوقوع المنكر، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من رأى)، فلا يكفي مجرد الظن. ثانياً: أن يعلم بأن الشخص المنكرعليه قد وقع في هذا المنكر، فلا يؤخذ الناس بالظن. وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تتجسسوا} (الحجرات 12). ثالثاً: ألا يزول المنكر إلى ما هو أعظم منه، فندفع أشد المفسدتين بأدناها. وقد زاد العلماء أن من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -وليس من شروطه- أن يبدأ الآمر بالمعروف بنفسه، فيكون أول فاعل له، وأول تارك لما ينهى عنه من المنكر. أما من خالف ذلك فقد خالف طريقة الرسل عليهم السلام، كما قال شعيب صلى الله عليه وسلم {وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} (هود 88).
ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى الرفق، فالرفق لا يكون في شئ إلا زانه وما انتزع من شئ إلا شانه، والله يعطى على الرفق ما لا يعطى على العنف.
نسأل الله اجعلنا من القائمين على حدوده، الأمارين بالمعروف والناهين عن المنكر، وأن يدركنا بلطفه ورحمته، ويصلح حالنا وحال المسلمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آل محمد، ورضي عن صحابته أجمعين، والحمد لله رب العالمين.